مقالات شهرية

خدمة الاخوان

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

خدمة الاخوان  

الحمد لله ولى الصالحين والصلاة والسلام علي من لانبي بعده سيدنا محمد بن عبد الله الامين وبعد .

فإٍن الفقير أو المريد الذي يسير إلي الله بمنهاج القوم أهل التصوف لابد له أن يتخلق ويتحلي بالكثير من الأداب والقواعد التي لابد منها , فالتصوف روحه  تزكية النفس وإلتزام  الأداب, وهذا الأمر من أعظم غايات البعثة المحمدية قال تعالي :(هو الذي بعث في الإميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) وقال صلي الله عليه وسلم:(إنما بعثت لاتمم مكارم الأخلاق ) .

فالمريد لابد له أن يمتثل لآداب الطريق حتي يصل إلي مراده ويحصل له النفع الذي يرجوه بسلوك طريق القوم , وهذه الأداب يتلقاها المريد من وسائل شتى فهي إما أن تكون مباشره بتوجيه من الشيخ للمريد أو بالملاحظة في تتبع المريد لأحوال شيخه وتصرفاته وتصرفات إخوانه وبعض أهل الطريق عامة أو عبر المديح والقصائد التي تذخر بالإرشاد والرقائق وكذلك عبر المؤلفات من كتب ورسائل وغيرها ومن هنا فاننا نذكر جزئية  مماذكره أهل التصوف في أداب المريد مع إخوانه وهي خدمة المريد للإخوان , والإخوان جمع أخ وهو الرفيق في الطريق إلي الله تعالي المبايع لشيخه أو لأحد خلفاء طريقته أو السالك لطريق الحق علي أي نهج كان ,فمن أدآب المريد مع إخوانه خدمته لهم إذا إستخدموه في مصالحهم أو إستخدمه واحد منهم ,لذلك قال أهل الإرشاد: إن من شان المريد أن يقوم بخدمة إخوانه ويكون مقدماً لهم في الخدمة وأن يتقدمهم في كل عمل شاق من أعمال الدنيا والاخرة كنقل الحطب وخبز الكسرة وطهى الطعام وغيره ذلك .فحتي لا يكون المريد عالة علي إخوانه في المسيد أو الزاوية فلابد له أن يدلى بدلوه في خدمة إخوانه وقد حقق ذلك أستاذنا وقدوتنا الشيخ دفع الله الصائم كما حدثنا بذلك الشيخ الفكي محمد أحمد (الفيل ) من سكان طيبة  الشيخ عبد الباقي وأحد الذين رافقوا الشيخ في بواكير صباه فقال :(إنكسرت الدوكة – وهي آلة من الطين المحروق  بالنار  تصنع فيها الكسرة – في الخلوة ففقدنا الشيخ مدة من الزمن وذهبنا نبحث عنه فوجدناه آتيا نحونا يمشي علي رجليه  علي مشارف طيبة يحمل دوكة جديدة علي راسه وقد أتى بها من مدينة ود مدنى ) .

والشاهد أن الشيخ رضي الله عنه تحمل تعب المسير الي ود مدني ذهاباً وإياباً علي رجليه مع حمل ( الدوكة) الثقيلة خدمة لإخوانه من طلبة القرآن وإيثاراً لهم ليطهى لهم الطعام .

وكذلك من شان المريد في خدمة إخوانه أن يقوم برعاية أصحاب الحاجات في الزاوية أو المسيد كخدمته لمن مرض من الإخوان فيسعى في خدمتهم ليلاً ونهاراً. ومن أصحاب الحاجات الذين يجب عليه أن يقوم بخدمتهم العجائز والأيتام والعُميان الذين بالمسيد فيعينهم علي قضاء حوائجهم ويسهر في خدمتهم  ولايسأم من طلباتهم أبدا ً, وكذلك علي المريد خدمة الذين يترددون الي المسيد أو ياتون لزيارة الشيخ ,فمنهم الذين ياتون إلي المسيد من مناطق بعيدة ,ويقيمون فيه الايام الطوال, فلابد للمريد أن يسعى في خدمة هؤلاء وتوفير الراحة لهم حتي يستأنسوا بالمكان .

ومن أنواع الخدمة التي يقوم بها المريد وفيها الأجر الجزيل والفيض العظيم, خدمة بيوت الخلاء ( الحمامات) وفي هذا يقول الشعراني في الأنوار القدسية :(من شأن المريد أن يبادر لخدمة بيوت الخلاء إحتساباً لوجه الله تعالي ولوكان لها خادم بأجرة, فيزيل ماعلي المراقي وحول الميضأة من القذر,وليكن ذلك في أوقات غفلات الناس كضحوة النهار أو في السحر  بحيث لايراه أحد, فإن للنفس لذة وحلاوة إذا عرفت بالتواضع أعظم من لذة الكبر لأصحابه, وكانت هذه وظيفة الإمام الغزالي ,وسيدي علي الخواص, والشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري رحمهم  الله تعالي, وهنالك أشياء كثيرة يقوم بها المريد في خدمة إخوانه غير تلك التي ذكرناها كما علي المريد أن يراعى عند خدمته عدة أمور منها :

*الا يشعر المريد في بأنه في موضع تذلل  أو هو دون إخوانه في خدمته لهم ,بل العكس من ذلك فإن عليه أن يري أن في خدمة إخوانه الشرف العظيم فالقيام بمصالح المسلمين فيه الثواب الجزيل وفي الحديث :(من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة, ومن يسر علي معسر يسر الله عليه, وأحب الخلق لله أنفعهم لعباده )

فالمريد الصادق ينال في خدمته لإخوانه سيادة وشرفاً عظيماً يعلو به , لقوله صلي الله عليه وسلم :(سيد القوم خادمهم ) فلاريب في أن من يكفي قومه أمورهم ويدفع عنهم مايضرهم ويقرب اليهم ماينفعهم يكون هو السيد بينهم والمعول عليه عندهم .

*أن يكون المريد علي يقين بأن خدمته لإخوانه من الإمور التي ييسر الله تعالي بها عليه رزقه, وقد ورد ( إن الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه )

وقال الإمام الشعراني :سمعت علياً الخواص رحمه الله يقول :(إن الله تعالي ييسر الرزق لمن خدمه خالصاً مخلصاً وخدم إخوانه كذلك ).

وليعلم المريد بأن خدمته لإخوانه مقدمة علي أدائه للنوافل من العبادات وقراءة الأوراد والأحزاب لأن النفع فيها يرجع إلي فاعلها والمنفعة إذا كانت عامة أفضل من أن  يخص بها الشخص نفسه , والمريد تهمه مصلحة إخوانه أكثر من مصلحة نفسه .

قيل أن الشيخ العبيد ودبدر قال :(إذا كنت في قضاء حاجة أخيك فوردك وورد أخيك علي شيخك ).

والمريد في خدمته لإخوانه لابد أن يكون مبادراً في قيامه بالخدمة دون أ ن يطلب منه ذلك وهنا لابد أن نذكر القصة الشهيرة التي حدثت في عهد الشيخ محمد ود الطريفي حيث يروى أنه كان للشيخ تلميذ يسمى عبد الخير فأمره الشيخ أن ينظف المطمورة- وهي المكان الذي يخزن فيه الذرة – فقال الشيخ لتلميذه ياعبد الخير نظف المطمورة وفي هذه الأثناء كان الشيخ فرح ودتكتوك قد جاء زائراً للشيخ فسمع ماقاله الشيخ لتلميذه عبد الخير فبعد إنصراف الشيخ أنشغل عبد الخير فلم يباشر بنظافة المطمورة , فقال الشيخ فرح لبعض إخوانه الذين كانوا معه :( كلنا عبيد خير فلننظف نحن المطمورة ). فقاموا ونظفوها وكان ذلك فى وقت متأخر من الليل,فعندما خرج الشيخ محمد ود الطريفي لصلاة الفجر وجد المطمورة نظيفة, وبعد أن عرف أنهم قد نظفوها قال لهم :(نضفتوها الله ينضف قلوبكم ) فصاروا من لحظتهم تلك من الأولياء الكمل بدعوة الشيخ لهم , فالمبادرة بالخدمة من الإمور العظيمة ,  وقد يطلب من المريد أن يقوم ببعض الخدمة , كأن يستخدمه بعض إخوانه في قضاء حوائجهم , أو أن يأمره واحدا  من إخوانه الذين يكبرونه سناً أو لهم معروف بين الإخوان , أو أمر أحد نقباء الزاوية وهؤلاء يعرفون عندنا بالمقدمين , الذين يختارهم الشيخ فيقدمهم علي إخوانهم في الإشراف علي شئون المسيد والإخوان .

وقد تكون الخدمة في بعض الأحيان بأمر من الشيخ , وعلي المريد أن لايتردد في طاعة شيخه في كل الإمور , وكذلك اذا طلب منه الشيخ القيام بخدمة بعض إخوانه لا بد له أن يكون طائعاً ومنقاداً لأوامر شيخه ,ولاينكر المريد على شيخه إن أمره بالقيام بخدمة قد يرى فيها مشقة لنفسه أو أن هذه الخدمة لا تليق به ,فليحذر هذا الأمر كل الحذر ,لأ ن الشيخ لا يريد للمريد إلا الخير ولا يضعه فى موضع إلا لخير ,وإن رأى المريد فى ظاهر الأمر غير ذلك ومن شواهد هذا ما ذكره الشعرانى فى الأنوار القدسية حيث قال :( بلغنا أن سيدى إبراهيم المواهبى لما جاء إلى سيدى الشيخ أبى المواهب يطلب الطريق إلى الله تعالى أمره الشيخ أن يجلس فى الإصطبل يخدم البغلة ويقضى حوائج البيت وقال له :( إحذر ان تحضر مع الفقراء قرآءة حزب أو علم). فأجابه إلى ذلك, فمكث سنين حتى دنت وفاة الشيخ وتطاول أكابر أصحابه للإذن لهم فى الخلافة بعده , فقال إئتونى بإبراهيم ,فأتوه به, ففرش له سجادة وقال له تكلم على إخوانك فى الطريق ,فأبدى لهم من العجائب والغرائب نظماًونثراً حتى إنبهرت عقول الحاضرين ,فرجع الذين كانوا تطاولوا للإذن وتعجبوا من ذلك ,وكان سيدى إبراهيم الخليفة بعد الشيخ ولم يظهر من أولئك القوم شئ من أحوال الطريق .

 

                                        محمدالشيخ الطيب شرونى

المتواجدون الأن

3 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع