مقالات شهرية

زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم

زيارة النبي صلى الله عليه وسلم

زيارته صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات وأنجح المساعي وأجل الطاعات والأكثرون علي أنها سنة مؤكدة وجري بعضهم علي أنها واجبة وإنتصر له بعض العلماء لخبر : من وجد سعتة ولم يزرني فقد جفاني ولايختص طلبها بالحجاج غير أنها في حقهم آكد لأمرين : الأول قوله صلى الله عليه وسلم من حج ولم يزرني فقد جفاني , والثاني أن الغالب علي الحجاج الورود من آفاق بعيدة فإذا قربوا من المدينة يقبح تركهم للزيارة لأن ذلك يدل علي التهاون بها .

وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم:( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) ومعني وجبت بالوعد الصادق . وأما قوله صلى الله عليه وسلم:وجبت له أن يختص بشفاعة ليست لغيره , إما بزيادة النعيم وإما بتخفيف الأهوال عنه  وإما أن يدخل بلا حساب وإما بغير ذلك وفيه بشري بموته ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:(  من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي الله عزوجل أن أكون شفيعاً له يوم القيامة ) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:(من زراني ميتاً فكأنما زارني حياً ووجبت له شفاعتي يوم القيامة وما من أحد من أمتي له سعة لم يزرني فليس له عذر ) ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:( من حج إلي مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان ) وروى البخاري :( من صلي علي عند قبري وكل الله بها ملكاً يبلغني وكفي آمر دنياه وآخرته وكنت له شفيعاً أوشهيداً يوم القيامة) . ولقد أجاد من قال :

هنيئاً من زار خير الوري       وحط عن النفس أوزارها

فإن السعادة مضمونة            لمن حل طيبة أو زارها

فزيارته صلى الله عليه وسلمعظيمة معلومة من الدين بالضرورة يكفر جاحدها كما ذكر العلامة السبكي عن بعض الفضلاء فينبغي أن يحرص عليها وليحذر كل الحذر من التخلف عنها مع القدرة وخصوصاً بعد حجة الإسلام لأن حقهصلى الله عليه وسلمعلي أمته عظيماً ولو أن أحدهم يجىء علي رأسه أو بصره من أبعد موضع من الأرض لزيارته صلى الله عليه وسلملم يقم بالحق الذي عليه لنبيه  صلى الله عليه وسلمجزاه الله عن المسلمين أتم الجزاء .

وروى أن بلالاً رضي الله عنه شد رحله من الشام لزيارته صلى الله عليه وسلموفي رواية أن ذلك  حصل لرؤيته للنبي صلى الله عليه وسلموهو يقول له : ماهذه الجفوة يابلال ؟ أما آن لك أن تزورني ؟ فأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلمفجعل يبكي ويتمرغ عليه وكان ذلك في خلافة سيدنا عمر رضي الله عنه وأن السيدين الجليلين الشريفين الحسن والحسين إشتهيا عليه عند مجيئه سماع أذانه فأذن في مكانه الذي كان يؤذن فيه من سطح المسجد الشريف فما رؤي بعد وفاته صلى الله عليه وسلمأكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم وإنه لم يؤذن لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلمإلا هذه المرة وإنه لم يتم الأذان المذكور لما غلبه من البكاء والوجد أي الحزن .

وكانت زيارة سيدنا بلال لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلمفي خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم ينكر عليه لا هو ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ولو كان السفر وشد الرحال لزيارة قبره صلى الله عليه وسلممخالفاً للسنة وإجماع  الأمة لأنكروا عليه لأنهم كانوا ينكرون أدني شىء من المخالفات ولاسيما سيدنا عمر وهو أمير المؤمنين وأشد الناس في الإنكار وأبطشهم يداً وأحدهم لساناً ووقوفاً مع الحق ولاتاخذه في الله لومة لأئم .

ومن الشائع الذائع أن سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يبرد البريد من الشام أي يرسل رسولاً خاصاً من الشام إلي المدينة ليقرىء النبي صلى الله عليه وسلمالسلام ثم يرجع .

وهذا أوبعضه كاف في الرد علي من ينكر شد الرحال للزيارة المطلوبة المستحبة قال المارودي في كتابه الحاوى : أما زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمفمأمور بها ومندوب إليها وقال الإمام العلامة المتفق علي دينه وكثرة علومه وعلو قدره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي : ويستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلموذكر القاضي حسين نحوه وكذا الروياني والسيد الجليل أبو زكريا يحى النووي قدس الله روحه في كتابه المناسك وغيره حض إستحباب الزيارة للقبر الشربف وقالت الحنفية : إن زيارة النبي  صلى الله عليه وسلممن أفضل المندوبات والمستحبات بل تقرب من درجة الواجبات وممن صرح بذلك الإمام أبو منصور محمد الكرماني في مناسكه والإمام عبد الله بن محمد في شرح المختار .

وقالت بعض أئمة الحنابلة منهم ابن الخطاب في كتابه الهداية في آخر باب صفة الحج : إستحب له زيارة قبره صلى الله عليه وسلموصاحبيه وفيه فائدة وهي إستحباب شد الرحل إلي زيارة الصديقين رضي الله عنهما وقال الإمام أحمد بن حمدان في الرعاية الكبري ويستحب لمن فرغ من نسكه زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلموقبر صاحبيه رضي الله عنهما وذلك بعد الفراغ من الحج وإن شاء قبله وذكر نحو ذلك غيرهم ومنهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتابه{ مثير الغرام} وعقد له باباً في زيارة قبر ه عليه الصلاة والسلام واستدل بحديث ابن عمر وأنس رضي الله عنهم وذكر ابن قدامة في المغني فصلاً في ذلك فقال : يستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلمواستدل بحديث ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم وقال عبد الحق الصقلي في كتابه تهذيب الطالب عن ابن عمران المالكي إن زيارة قبر النبيصلى الله عليه وسلمواجبة .

وقال عبد الحق في هذا الكتاب : رأيت في المسائل التي سئل عنها أبو محمد بن أبي يزيد قيل له : في رجل استئوجر بمال ليحج به وشرطوا عليه الزيارة فلم يستطع أن يزور تلك السنة لعذر منعه من ذلك فقال : يرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة وهي مسألة حسنة وقال العبدي المالكي في شرح الرسالة : إن المشى إلي المدينة المنورة لزيارة قبر النبي  صلى الله عليه وسلمأفضل من المشى إلي الكعبة وبيت المقدس وصدق وأجاد رضي الله عنه لأنه ( أي قبر النبي صلى الله عليه وسلم ) أفضل البقاع بالإجماع والنقول في ذلك كثيرة وفيها الإجماع علي طلب الزيارة بعدت المسافة أو قصرت .

فهذا سيدنا بلال رضي الله عنه لما وصل القبر المكرم جعل يمرغ وجهه ويبكي وإن فعله رضي الله عنه صورة طبق الأصل لما يحصل من كثير من الزائرين اليوم والزائرات للصالحين من أهل البيت وغيرهم ويقوم ويقعد فريق من المنتطعين لذلك ولايرضون لفعله  وصفاً غير الشرك بالله ليحكموا بذلك علي سيدنا بلال رضي الله عنه الذي يعد من أجلاء الصحابة وهو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلمليعلم أولئك المتنطعون أن ذلك أثر وجد في النفوس لايشعرون به يحمل أهله علي التبرك بما يجاور حبيب ربهم وهو من باب قول القائل :

أمر علي الديار ديار ليلي         أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي        ولكن حب من سكن الديارا

هذا قصد أولئك المؤمنين في لمسهم ضريح الصالحين من العباد لا كما يتوهمه مظلمو القلوب مسيئوا الظن بالمؤمنين .

وهذا أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه : لما زار القبر المعظم التزمه أي ضمه إلي صدره فأنكر علي مروان بن الحكم فوبخه أبو أيوب الأنصاري وقال في كلامه مامعناه أبكوا علي هذا الأمر إذ ا وليه غير أهله وفي ذلك جواز ضم قبور الصالحين وأبو أيوب الأنصاري الذي ضم ضريح سيد الوجود صلى الله عليه وسلمهو أبو أيوب وكفي ( ذكر ذلك أبو الحسين في كتابه أخبار المدينة ).

وروى عن ابن عمر رضي الله عنه كما أورد الإمام الحصني في كتابه : دفع شبه من تمرد : أنه رضي الله عنه وضع يده علي موضع مقعد النبي صلى الله عليه وسلممن المنبر الشريف ثم وضعها علي وجهه وكان رضي الله عنه يتردد إلي الأماكن التي كان يتردد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلمبراحلته لأجل التبرك .

 

                          نقلاً عن كتاب الفوز والنجاة في الهجرة إلي الله

                             لمحمد السيد التجاني            

المتواجدون الأن

9 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع